قراءة في كتاب "بندلي الجوزي: عصره، حياته، وآثاره"

قراءة في كتاب "بندلي الجوزي: عصره، حياته، وآثاره" ضمن سلسلة في الميزان للدكتور شوقي أبو خليل مقدمة: يُعتبر بندلي الجوزي أحد أبرز المفكرين الفلسطينيين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث جمع بين الدراسة الدينية والفكرية، وقدم قراءات جديدة للتاريخ الإسلامي من منظور نقدي وتحليلي. يأتي كتاب الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى دراسة معمقة وشاملة تستند إلى أطروحته للدكتوراه في التاريخ الإسلامي، تسبر فيه أغوار شخصية الجوزي، بيئته الفكرية، وتأثيره في حركة النهضة العربية. أولًا: عصر بندلي الجوزي (الظروف السياسية والاجتماعية) يرصد الكتاب بتمعن الظروف التي أحاطت بفلسطين وبلاد الشام في القرنين التاسع عشر والعشرين، مركزًا على: - السياق الجغرافي والتاريخي لفلسطين وسوريا، بما في ذلك الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. - الحروب والحملات الكبرى التي أثرت على المنطقة: حملة نابليون، حملة إبراهيم باشا، الحرب السورية (1839)، معاهدة لندن الأولى. - تأثير الدولة العثمانية في التنظيم الإداري والسياسي والاجتماعي لبلاد الشام، ونتائج الإصلاحات التي شهدتها الإمبراطورية في تلك الحقبة. هذه الخلفية تعطي القارئ فهمًا عميقًا للبيئة التي ترعرع فيها بندلي الجوزي، والتي شكلت أرضيته الفكرية. ثانيًا: حياة بندلي الجوزي (النشأة، التعليم، والرحلات) وُلد بندلي الجوزي في القدس عام 1886 في عائلة مسيحية أرثوذكسية فلسطينية معروفة بتعلقها بالعلم والدين. يعرض الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى نشأته في المدينة المقدسة، وعلاقته بأسرة ديناميكية ثقافيًا. كما يبين تنقلاته التعليمية من القدس إلى روسيا وأذربيجان، حيث تأثر بالفكر الماركسي والاجتماعي، وتعرف على نخبة المفكرين العرب والروس. يتناول الكتاب أيضًا علاقاته الشخصية، صداقاته، ورحلاته التي أثرت في تطوير أفكاره، مما جعله شخصية عالمية أو شخص يعيش ويتفاعل مع ثقافات متعددة من بلدان مختلفة، دون انحياز أو ارتباط حصري بوطن أو ثقافة واحدة فقط. بمعنى آخر، هو شخص منفتح على العالم، يجمع بين تأثيرات متنوعة من ثقافات وبيئات مختلفة. تجمعت فيها التأثيرات الفكرية الشرقية والغربية. ثالثًا: آثاره الفكرية (المؤلفات والرؤى الفكرية) يعد محور التحليل في الكتاب هو الأفكار التي طرحها بندلي الجوزي عبر مؤلفاته، منها: - كتابه الرائد "تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام"، الذي يُقدم قراءة نقدية للتاريخ الإسلامي، مبتعدًا عن التقديس للنصوص. يُبرز شوقي أبو خليل في دراسته لكتاب بندلي الجوزي تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام العديد من نقاط الضعف المتعلقة بمنهجية الجوزي في استخدام المصادر، والتي أدت إلى وقوعه في أخطاء نقل وفهم، بل وإيراد وقائع غير صحيحة أو مشوهة. فقد اعتمد بندلي الجوزي، في بعض الأحيان، على مصادر تُعاني من تحامل واضح ضد الإسلام، خصوصًا تلك الصادرة عن مستشرقين غربيين أو مؤرخين ذوي مواقف أيديولوجية معادية، مما انعكس في تشويه بعض الوقائع أو تبني سرديات مغلوطة. حيث ناقش الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى كيف أن بندلي الجوزي أورد أحداثًا تاريخية تتعلق بالحركات الفكرية الإسلامية مع بعض الإضافات أو التفسيرات التي لا تستند إلى حقائق موثقة، بل تُعزى إلى اجتهادات ذاتية غير دقيقة. كما انتقد أبو خليل طريقة الجوزي في تفسير تأثير القوى الاستعمارية على الفكر الإسلامي، مشيرًا إلى أن بعض التوصيفات كانت مبالغًا فيها أو مبنية على فرضيات غير مثبتة. - تفسيره للأحداث الدينية والتاريخية في إطار اقتصادي واجتماعي، متأثرًا بالماركسية. - مواقفه من الفرق الإسلامية المختلفة، والنهج الذي اتبعه في نقد الموروث الإسلامي. - مواقفه من القومية العربية، ودعوته إلى عقلنة الدين والتاريخ. - استخدامه منهجًا نقديًا جمع بين الفكر الديني والاشتراكي. -ورغم الطابع النقدي الحاد الذي طبع أعمال بندلي الجوزي، إلا أن كتاباته تكشف عن إعجاب صريح بشخصية النبي محمد ﷺ، حيث يرى فيه نموذجًا ثوريًا ومصلحًا اجتماعيًا، ويُشيد بصفاته القيادية وأثره في تحويل المجتمع الجاهلي إلى كيان منظم وموحد. وهذا الإعجاب، الذي عبّر عنه في أكثر من موضع، يدل على موضوعية نسبية في تقييمه للشخصيات الإسلامية رغم انتمائه الديني المختلف. رابعًا: نقد وتحليل منهجي يتبنى الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى موقفًا نقديًا متوازنًا، حيث يُبرز المجهودات الرائدة التي قدمها الجوزي، لكنه لا يغفل الإشارة إلى بعض الإشكاليات في منهجه، مثل: - الميل أحيانًا إلى التعميمات المفرطة في تفسير الحركات الإسلامية. - اعتماد محدود على مصادر معينة، دون التنويع. - بعض التفسيرات التي قد تُعدّ اختزالية في قراءة الواقع الإسلامي. - من أبرز ما يُؤخذ على الجوزي هو اعتماده أحيانًا على مصادر غير موثوقة أو ذات موقف عدائي من الإسلام ، خاصة كتابات مستشرقين أو مفكرين روس وغربيين اتسمت نصوصهم بالتحامل على التاريخ الإسلامي أو بتفسيرات مشحونة بأبعاد أيديولوجية. يشير الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى إلى أن بعض هذه المصادر لم تكن علمية أو محايدة، بل حاملة لتحيزات دينية أو ثقافية واضحة، مما انعكس في بعض استنتاجات الجوزي التي بدت مجانبة للواقع التاريخي، أو متأثرة بالتصورات الغربية السلبية عن الإسلام. هذا الخلل في البنية المرجعية أدّى أحيانًا إلى تبني تأويلات منحازة أو اختزالية للحركات الإسلامية، أو إسقاط مفاهيم حديثة على وقائع تاريخية لا تحتمله.أو نقولات لنصوص دينية أو تاريخية غير صحيحة خامسًا: الملاحق والموضوعات الإضافية يحتوي الكتاب على ملاحق هامة توضح جوانب مثل التجارة الفلسطينية في الميناء، والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للبيئة التي عاش فيها الجوزي، إضافة إلى نقاشات دينية وفلسفية حول موضوعات القرامطة، الشعوبية، والتاريخ الإسلامي المبكر. خاتمة يمثل كتاب الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى قراءة مستفيضة وعلمية لشخصية فكرية أساسية في التاريخ الفلسطيني والعربي، إذ يمزج بين التوثيق التاريخي والنقد الموضوعي، ليقدم نموذجًا مميزًا للدراسة النقدية لشخصيات النهضة العربية، ويؤكد على أهمية فهم السياقات التاريخية والثقافية لفهم الفكر العربي الحديث. بقلم الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي أستاذ مساعد في التاريخ والفكر الإسلامي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية UNIVERSITY GENERATIONS AND TECHNOLOGY Generations and Technology University