وهم الاستثناء في مرحلة ما بعد الأسد

"عدم استيعاب الأقليات أن حكمهم انتهى: وهم الاستثناء في مرحلة ما بعد الأسد" بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf مقدمة منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، لعبت الأقليات دورًا محوريًا في صياغة موازين القوى، إما بدعم النظام أو بالتحالف مع أطراف تضمن بقاءها. وبعد سقوط نظام الأسد في نهاية 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة تميزت بإعادة رسم المشهد السياسي، إلا أن بعض الأقليات، وعلى رأسها الطائفتان العلوية والدرزية، ما زالت تتصرف وكأن بإمكانها إعادة إنتاج مراكز نفوذها السابقة، رافضة الاعتراف بحقيقة مفادها: زمن امتلاك القرار السياسي قد انتهى. أولًا: عقدة "الاستثناء" في وعي الأقليات لعبت الأقليات السورية، خصوصًا بعد 2011، على وتر التهديد الوجودي، ونجحت إلى حد بعيد في تحييد جزء من المعارضة، وفرض نفسها شريكًا لا يمكن تجاوزه. إلا أن هذا الدور كان مرتبطًا ببقاء الأسد، لا بقوة ذاتية مستقلة. ومع انهيار النظام: - ما زال بعض العلويين يراهنون على استعادة الدولة من خلال التفاوض، أو عبر تحالفات مع قوى الأمر الواقع. - بعض القيادات الدرزية تتصرف وكأنها تمثل ضمير وطني منفصل عن الصراع، رافضة الانخراط في الواقع الجديد. - "قسد" من جهتها، تروّج لتحالف مع الأقليات بوصفه بديلاً عن المشروع الوطني، لكنها تنسى أن ميزان القوى تغيّر جذريًا. ثانيًا: فشل الأقليات في قراءة التحول التاريخي: التحول الجذري الذي حصل بعد سقوط الأسد لم يكن فقط إسقاطًا لنظام سياسي، بل انهيارًا كاملًا لبنية الحكم الطائفي المحمي خارجيًا. ومع ذلك، لا تزال بعض النخب الطائفية تتحرك وكأنها قادرة على فرض شروطها: - تجاهل حقيقة أن الشارع السني والعشائري لم يعد يقبل بأي عودة لحكم الأقليات. - رفض التعامل مع الحكومة الانتقالية كواقع جديد، رغم ما لها من شرعية محلية ودعم شعبي. - الاستمرار في خطاب "المظلومية" لتبرير مواقف سياسية انفصالية، وهو ما لم يعد مقبولًا بعد المجازر والانتهاكات التي تورطت فيها بعض مكونات تلك الأقليات أثناء الحرب. ثالثًا: مؤتمر "قسد" نموذجًا لوهم النفوذ القديم مؤتمر "قسد" الذي جمع بعض العلويين وبعض الدروز وقوات سوريا الديمقراطية، لم يكن تعبيرًا عن شراكة سياسية، بقدر ما كان محاولة يائسة لإعادة إنتاج سلطة من خارج التاريخ. المؤتمر كشف: - أن هذه الأطراف لم تستوعب بعد أن زمن فرض شروط الأقلية قد انتهى. - أن الدولة السورية الجديدة تتشكل من قوى أمر واقع تتصدرها قوى سنية وعشائرية مدعومة شعبيًا. - أن أي مشروع لا ينبني على العدالة والمساءلة الوطنية لن يُكتب له النجاح. رابعًا: لا مستقبل خارج المصالحة مع الواقع الجديد رفض الاعتراف بانتهاء زمن التحكم بالأغلبية، لن يقود إلا إلى مزيد من العزلة والعنف. المستقبل في سوريا يتطلب من الجميع، لا سيما الأقليات، أن: - تخرج من منطق التهديد والابتزاز السياسي. - تقبل بالانخراط في دولة جديدة على أساس المساواة، لا الامتيازات. - تُقرّ بدور الأغلبية الذي حُرم لعقود، بدلًا من التمترس خلف مشاريع انفصالية أو تحالفات ظرفية. توصيات 1. إعادة بناء الخطاب السياسي للأقليات على أساس المواطنة، لا الطائفة، والابتعاد عن منطق الاستثناء والخصوصية. 2. القبول بالواقع الجديد والانخراط في العملية السياسية دون شروط مسبقة، وتحت مظلة الدولة السورية الموحدة. 3. نبذ الخطاب الانفصالي الذي يُغذي الشكوك ويُعمّق الانقسام، واستبداله برؤية وطنية تضمن الحقوق ضمن إطار مشترك. 4. الدعوة إلى مصالحة وطنية شاملة تتضمن مراجعة حقيقية لانخراط بعض الأقليات في النظام السابق، مع آليات عدالة انتقالية متوازنة. 5. الاعتراف بدور الأغلبية في صياغة المرحلة القادمة، وعدم عرقلة التحولات السياسية انطلاقًا من عقد تاريخية أو هواجس فئوية. 6. العمل مع قوى الدولة الانتقالية في بناء مؤسسات شاملة، بدلًا من التمترس خلف الكيانات المحلية أو تحالفات خارجية. خاتمة اللحظة التاريخية التي تعيشها سوريا لا تحتمل الأوهام القديمة. عدم استيعاب الأقليات أن زمن امتلاك السلطة قد انتهى، يُعد تجاهلًا خطيرًا لمسار الأمور. *من أراد شراكة حقيقية عليه أن ينزل من موقع الامتياز إلى ساحة المواطنة، ويعترف بأن مستقبل سوريا لن يُكتب إلا بأيدي من دفعوا الثمن الأكبر. الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf أستاذ مساعد في القانون الدولي الإنساني مع تحيات كلية القانون الدولي والعلوم السياسية University Generations and Technology