قراءة في كتاب "غريزة أم تقدير إلهي؟" للدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى صدر كتاب غريزة أم تقدير إلهي؟ للدكتور شوقي أبو خليل عن دار الفكر بدمشق عام 1987، وجاء في 141 صفحة بأسلوب علمي بسيط جذاب، يفتح عيون القارئ على عالم الحيوان، لا كعالم فوضوي تحركه الغرائز فقط، بل كدليل دقيق على وجود خالق قدير، نظّم كل شيء بتقدير محكم. يصف الدكتور شوقي هذا الكتاب بأنه “صندويشة خفيفة نظيفة” كان يُوصي بها طلابه، وهي عبارة واقعية تعكس بساطة الطرح مع عمق الفكرة. فالكتاب، رغم صغر حجمه، يحمل في طياته دلالات عظيمة وإشارات علمية مدروسة تؤكد أن ما يُسمى “غريزة” ليس إلا جزءاً من نظام كوني تقديري متكامل. مدن الحيوان وحساباته الهندسية ينقل الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى القارئ إلى أعماق تنظيمات مدهشة في عالم الحشرات والحيوانات. فالنحل يبني خلاياه السداسية بدقة تفوق أدوات القياس الهندسية، والنمل يحفر مدنه بطريقة تجعلها جيدة التهوية ومحمية من الماء والانهيار، والطير يصنع أعشاشه بأنماط تناسب بيئته ونوعه. كيف لحيوان بلا عقل بشري أن يُدير بناءً منظماً؟ سؤال يدفع الكاتب للقول: هذا ليس مجرد غريزة، بل تقدير إلهي محكم. الجرذ الكنغري… يصنع الماء! واحدة من أعظم عجائب الخلق التي أوردها شوقي في كتابه هي قصة الجرذ الكنغري، حيث يقول : من اطرف الحيوانات التي تقطن الصحراوات الأمريكية حيوان صغير من عائلة القارضات لونه ك لون الغزلان الصغيرة يشبه الفأر يسمى الجرذ الكنغري بالرغم من انه ليس جرذا ولا هو كنغر لكن السبب في تسميته هذه يرجع إلى أن رجليه الخلفيتين الزائدتين الطول اللتين يقفز بهما في الصحراء ككنغر صغير وهو يستطع القفز مسافة ثلاثة أمتار أي عشرة أضعاف طوله أما ذيل هذا الحيوان وهو أطول من بقية جسمه وينتهي بخصلة بيضاء من الشعر فأنه يؤدي عمل الدفة في أثناء القفزات يستطع الجرز الكنغري ان يغير اتجاهه في وسط الهواء بأن يحرك أو يجذب ذيله فيتحاشى الثعابين والبوم والحيوانات الصحراوية الكبيرة التي تود ان تقيم وليمة من هذا المخلوق الضئيل الغريب..لكن أعجب الأمور عن هذا الجرذ أنه يستطع أن يعيش دون أن يذوق قطرة من الماء أبدا ..ولقد حاول الذين أستأنسوا هذا الحيوان الودود صاحب العينين السوداويين أن يقنعوه بأن يشرب ولكنه لم يشرب مطلقا ، بل أنه لا يحب أن يبلل فروته الحريرية وفي أثناء المطر يظل داخل جحور تشبه المتاهة يتخذها مسكنا له… إنه يعيش على البذور الجافة التي يدفعها بقدميه الأماميتين ليدخلها جحره ويأكلها في أمان واطمئنان . وكل الماء الذي يحتاجه الجرذ الكنغري ليبقى حيا.وهو يحتاج الماء مثلما يحتاج إليه كل كائن حي يتم صنعه في داخل جهازه الهضمي وعملية صنع الماء هذه تتكون من اتحاد العنصرين اللذين يتكون منهما الماء وهما الهيدروجين والأوكسجين , ويحصل الجرذ الكنغري على الأوكسجين من الهواء الذي يستنشقه. ويحصل على الهيدروجين من تلك البذور الجافة التي يأكلها ، يتحد العنصران الهيدروجين والأوكسجين داخل جسم هذا الحيوان ويكونان الماء الذي يتيح لهذا الحيوان أن يحافظ على حياته وسلامة صحته… هل خطر لنا الآن كيف يصنع هذا الحيوان الصغير الماء في جهازه الهضمي دون شرارة كهربائية وبلا جهاز كيماوي ومن أطلعه على تركيب الماء الذي هو H2o ذرتي هيدروجين وذرة اوكسجين ومن أفهمهُ أن نسبة اتحاد الأوكسجين مع الهيدروجين هي واحد إلى أثنين اي ذرة أوكسجين وذرتي هيدروجين..فهل هذه مصادفة عمياء أم غريزة عمياء أم أنه تقدير إلهي؟!!!. مشهد علمي مذهل يُعيد القارئ إلى قوله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي، ليؤكد أن الحياة ليست عشوائية بل محسوبة ومقدّرة. رأس الطائر وقمرة القيادة وفي مثال آخر يضربه الكاتب بشاعرية علمية، يقارن بين رأس الطائر وبين قمرة القيادة في الطائرة. فعيناه كالرادار، وأذناه كجهاز استقبال، ومنقاره أداة للبحث أو الدفاع، ودماغه يُوجّه الطيران بحسابات فائقة الدقة، يزن بها الرياح والاتجاهات والارتفاع. كل ذلك بلا طيار آلي، ولا برامج حاسوبية، فقط عقل فُطر على التقدير الإلهي. الحيوان المهندس والعطف والحنان الكاتب لا يتوقف عند الهندسة، بل يتناول السلوك العاطفي للحيوانات. يتحدث عن حنان الأم في الحيوان، ووفاء بعض الأنواع لشريكها، وسلوكيات الرعاية عند بعض الطيور. فإذا كانت “الغريزة” وحدها تفسر هذا كله، فكيف نفسر العطاء الزائد، والتضحية التي تتجاوز حفظ النوع؟ إثبات علمي لفطرة التدبير الإلهي الكتاب يُعيد النظر في مفهوم “الغريزة” كما تعودنا فهمه في العلوم البيولوجية، ويقترح بديلاً تفسيرياً قائماً على التدبير الإلهي، الذي وهب كل مخلوق صفاته ووظائفه وقدراته في بيئته، دون حاجة لإرادة عقلية منه. فالعصفور يعرف متى يهاجر، والسمك يعود لمواطنه، والحشرات تدخر قوتها، والضوء البارد ينبعث من بعض الكائنات البحرية دون احتراق أو طاقة مهدرة. خاتمة كتاب غريزة أم تقدير إلهي؟! ليس بحثاً في علوم الحيوان فقط، بل دعوة للتفكر في عظمة الخالق، ودرس في دمج الإيمان بالعلم. استطاع شوقي أبو خليل أن يقدّم معرفة خفيفة الظل، ممتعة ومؤثرة، تفتح نافذة جديدة لفهم الحياة من منظور التقدير الإلهي، لا الغريزة العمياء. بقلم الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي أستاذ مساعد في التاريخ والفكر الإسلامي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية UNIVERSITY GENERATIONS AND TECHNOLOGY