حين تصبح صورة الانتهاك أزمة بحد ذاتها: ما بين الواقع والتضخيم الإعلامي. بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf في زمن التحولات المتسارعة وتكثيف الرسائل الإعلامية، بات من الصعب فصل الحقيقة عن التوجيه، والواقع عن التهويل. وغالبًا ما يواجه الرأي العام روايات متضاربة حول أحداث مفصلية، لا سيما حين يتعلق الأمر بانتهاكات تُمارس بحق فئة من المدنيين في دولة ما. في هذا السياق، يُطرح تساؤل مشروع: هل الانتهاكات ممنهجة فعلًا، أم أن الإعلام يصنع وهم المنهجية عبر التكرار والتركيز؟ الإعلام… أداة أم سلطة؟ من البدهي أن الإعلام قد يُضخّم أو يُوجَّه لخدمة سرديات سياسية أو أيديولوجية معينة. وقد يتحول إلى أداة ضغط على الحكومات، أو منصة تبرير لها. لكن حين تتكرر الانتهاكات بحق فئة بعينها، وتُوثّق هذه الحالات من جهات مستقلة – سواء منظمات حقوقية دولية، أو تقارير أممية، أو حتى ناشطين ميدانيين – فإن السؤال لا يبقى في إطار من صنع السردية؟، بل يتحول إلى: لماذا تتكرر هذه الوقائع أصلاً؟. منهجية الانتهاك أم أزمة الإدارة؟ في كثير من الدول، خصوصًا في فترات النزاع أو الاضطراب السياسي، تميل الحكومات إلى تفسير الانتقادات الموجهة لها بأنها جزء من حملة ممنهجة هدفها تقويض الاستقرار أو استهداف المؤسسة الحاكمة. قد يكون في ذلك شيء من الحقيقة في بعض الأحيان. لكن الرد العقلاني والمنطقي على هذه الفرضية ليس الإنكار أو القمع، بل فتح ملفات التحقيق، وتمكين أجهزة الرقابة، والتعاون مع المؤسسات المستقلة. إذا كانت الانتهاكات ليست ممنهجة، فالواجب أن تُثبت الدولة ذلك عبر إجراءات شفافة، لا بمجرد رواية مضادة. وإلا فإن صمتها أو الاكتفاء بالرد الإعلامي يُكرّس فكرة المنهجية، ويحول الشك إلى يقين لدى الرأي العام. عندما تصبح الصورة أزمة بذاتها حتى في الحالة التي لا تكون فيها الانتهاكات ممنهجة تنظيميًا، فإن تكرارها الظاهر كافٍ لخلق انطباع عام بأن هناك سياسة صامتة خلفها. وهنا ننتقل من الحديث عن الانتهاك نفسه، إلى الحديث عن أزمة في الإدارة والمحاسبة، لا تقل خطورة عن الانتهاك ذاته. لأن صورة الدولة تصبح مرتبطة بعدم كفاءة، أو بعدم نية في تطبيق العدالة، أو بعدم اكتراث بالعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان. ختامًا لا أحد ينكر أن الإعلام قد يُوظّف، لكن تكرار الانتهاكات ليس توظيفًا، بل خلل. وظيفية الدولة لا تكمن في نفي التجييش الإعلامي فقط، بل في أن تملك من الشفافية والمسؤولية ما يُسقط عنه مبررات هذا التجييش. في النهاية، ليس المهم إن كانت الانتهاكات ممنهجة فعلاً، بل المهم أنها تبدو كذلك، وهذا يكفي وحده ليكون أزمة ثقة وأزمة شرعية وأزمة عدالة. وهذا يقودنا إلى سؤال مفتوح: إذا كانت الصورة المرسومة عن السلطة تُظهرها كطرف صامت أمام الانتهاكات، سواء أكانت هذه الصورة دقيقة أم مضخّمة، فهل يكفي هذا وحده لزعزعة ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها؟ أم أن استعادة الثقة تتطلب أكثر من مجرد النفي… تتطلب الفعل، والمحاسبة، والوضوح؟ بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف أستاذ مساعد في القانون الدولي الإنساني مع تحيات كلية القانون الدولي والعلوم السياسية University Generations and Technology