الفرق بين الدولة والسلطة في القانون الدولي :الإطار المفاهيمي والانعكاسات القانونية بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف مفهوم الدولة ومفهوم السلطة يُعدّان من الموضوعات المحورية في القانون الدولي، لا سيما عند تناول مسألة الشرعية، السيادة، والتحولات السياسية أو النزاعات المسلحة. لذا فإن هذا المقال يعرض الفروق بين الدولة والسلطة من خلال تحليل مفاهيمي وقانوني دون الاعتماد على الجداول، وبأسلوب تحليلي أكاديمي. مقدمة: يفرض الواقع الدولي المعاصر تمييزًا دقيقًا بين مفهوم "الدولة" ومفهوم "السلطة" أو "الحكومة"، خاصة عند تحليل النزاعات، التدخلات الأجنبية، أو حالات انهيار الحكم. بينما تشير "الدولة" إلى الكيان القانوني السيادي، فإن "السلطة" تعني الجهة التي تمارس الوظائف الحكومية وتمثل الدولة فعليًا في لحظة معينة. غير أن هذا التمايز لم يكن دائمًا واضحًا في الممارسة السياسية أو القانونية، مما يثير أسئلة حول التمثيل، الشرعية، والاستمرارية. أولاً: الدولة ككيان قانوني مستقل في القانون الدولي تُعرف الدولة بأنها وحدة قانونية وسياسية مستقلة تتكوّن من ثلاثة أركان رئيسية: 1. إقليم محدد تمارس عليه سيادتها. 2. شعب دائم يقيم ضمن هذا الإقليم. 3. سلطة حاكمة تمارس السيادة باسم الدولة. وقد أضافت اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933 ركنًا رابعًا وهو القدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى. وتُعد الدولة شخصًا من أشخاص القانون الدولي، تحظى بالشخصية القانونية المستقلة، وتستمر حتى في حال غياب السلطة الحاكمة أو تعرضها للفوضى. ثانيًا: السلطة كأداة لممارسة السيادة السلطة أو الحكومة هي الجهاز الذي يمارس السيادة باسم الدولة. وهي قد تكون شرعية من الناحية القانونية (بناءً على دستور أو انتخابات) أو واقعية (من خلال السيطرة الفعلية على الأرض). والسلطة لا تتمتع بالشخصية الدولية بذاتها، بل تستمد وجودها وشرعيتها من الدولة التي تمثلها. لكن، في حالة حدوث تغيير جذري في السلطة – سواء عبر الانقلاب، الثورة، أو الاحتلال – يُطرح السؤال عن مدى استمرار التمثيل الدولي ومدى الاعتراف بالسلطة الجديدة، دون أن يمس ذلك وجود الدولة ككيان قانوني. ثالثًا: الفروقات الجوهرية بين الدولة والسلطة الفرق الأول يتمثل في الاستمرارية: الدولة تستمر بصفتها الاعتبارية حتى في حال غياب سلطة شرعية أو مركزية، كما حدث في الصومال لعقدين تقريبًا، في حين أن السلطة قد تتغير وتُستبدل وتتعدد كما في حالات الحرب الأهلية. الفرق الثاني يتعلق بالشخصية القانونية الدولية: الدولة تمتلك شخصية قانونية تتيح لها الانضمام للمعاهدات والمنظمات الدولية، أما السلطة فلا تُعترف بها دوليًا إلا في حال تمثيلها الفعلي للدولة وتمتعها بشرعية داخلية وخارجية. الفرق الثالث أن الاعتراف الدولي بالدولة ليس مرهونًا بوجود سلطة محددة، بينما الاعتراف بالسلطة يتعلق غالبًا بالتقديرات السياسية والمصالح الدولية. *رابعًا: التطبيقات العملية والتحديات الواقعية* في عدة حالات، تعرّضت العلاقة بين الدولة والسلطة لاختبار شديد: _ في سوريا، حافظت الدولة السورية على تمثيلها في الأمم المتحدة رغم خروج مناطق شاسعة عن سيطرة السلطة المركزية. - في ليبيا، تعددت الحكومات والسلطات، لكن الدولة الليبية بقيت كيانًا معترفًا به. - في فلسطين، السلطة الوطنية الفلسطينية تدير جزءًا من الإقليم الفلسطيني، لكن الدولة الفلسطينية حظيت باعترافات دولية رغم عدم اكتمال شروط السيادة. هذه الأمثلة توضح أن المجتمع الدولي يفرّق بين الدولة، بوصفها كيانًا ثابتًا، والسلطة، بوصفها أداة حكم قابلة للتغير. خامسًا: الآثار القانونية للتمييز بين الدولة والسلطة من الآثار المهمة لهذا التمييز: - مسؤولية الدولة عن أفعال سلطاتها المتعاقبة، ولو كانت غير شرعية، إذا ما كانت تمارس الفعل باسم الدولة. - استمرار الالتزامات الدولية للدولة رغم تغير السلطة. - الإشكال في حالات الاحتلال أو إنشاء حكومات بديلة: هل تمثل هذه الجهات الدولة، أم أنها سلطات أمر واقع فقط؟ الخاتمة: يبقى التمييز بين الدولة والسلطة ضروريًا لفهم القانون الدولي المعاصر، وهو ما ينعكس على مواقف الدول، ومسؤولية الكيانات، وشرعية التمثيل في المحافل الدولية. فالدولة كيان قانوني ثابت نسبيًا، أما السلطة فمتحولة، تخضع للشرعية السياسية والقانونية، وتبقى عرضة للتبديل، لكنها لا تلغي وجود الدولة. بقلم د.محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf أستاذ مساعد تخصص القانون الدولي الإنساني مع تحيات كلية العلوم السياسية والقانون الدولي جامعة أجيال وتكنولوجيا University Generations and Technology