Uncategorized

بيت المقدس منبع البركة لبلاد الشام

بيت المقدس منبع البركة لبلاد الشام

الباري سبحانه وتعالى هو مصدر البركة في هذا الكون، وذلك لقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك:1].

ويعد القرآن الكريم من أهم مصادر البركة، لأنه كلام الله تعالى، قال تعالى: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام:92]، بمعنى كثير النفع والفائدة.

وهناك أزمنة مباركة كشهر رمضان، وليلة القدر، والعشر من ذي الحجة، كما أن هناك أمكنة مباركة، كالمسجد الحرام، قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران:96]، وكذلك المسجد النبوي الشريف، والمسجد الأقصى الذي قال الله تعالى فيه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء:1].

ولمفهوم البركة في هذه الآية رأيان:

الأول: ذهب القرطبي والزركشي والعز بن عبد السلام أبو بكر الجراعي والشوكاني إلى أن البركة في الثمار والأنهار ومن دفن حوله من الرسل والأنبياء.

الثاني: وذهب الجصاص والطبري إلى أنها بركات الدين والدنيا، أما الدين فبيت المقدس متعبد الأنبياء، ومهبط الوحي، وإليه تشد الرحال، وتضاعف فيه الصلوات، وقد دفن فيه كثير من الأنبياء والصالحين، وأما الدنيا فقد جعل الله البركة لساكنيه في معايشهم وأرزاقهم، وحروثهم وثمارهم.

وللجمع بين الآراء البركة غير مقيدة ولا محددة وهي شاملة لجميع أنواع البركة، ولذلك أسند الفعل (باركنا) إلى الله تعالى، وهو غير مقيد ولا محدد، فبركة هذه الأرض المقدسة شاملة لجميع أنواع البركة، والتعبير عن البركة بالفعل الماضي (باركنا) يدل على ثبوت واستقرار البركة لهذه الأرض، وستبقى لها هذه البركة إلى قيام الساعة.

واتفق العلماء أن حدود هذه الأرض المباركة هي بلاد الشام: فلسطين والأردن وسوريا ولبنان والعريش.

وللبركة في بيت المقدس وما حوله أسباب كثيرة، منها:

1- أرض المحشر والمنشر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ستَخرُجُ نارٌ من حَضرموتَ أو من نحوِ بحرِ حضرموتَ قبلَ يومِ القيامةِ تَحشُرُ النَّاسَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، فما تأمُرُنا؟ فقالَ: عليكُم بالشَّامِ) [رواه الترمذي]، لعلمه صلى الله عليه وسلم بأنها خير للمؤمنين حينئذ من غيرها والمستشار مؤتمن، وفي الحديثِ: فَضيلةٌ ومَنقَبةٌ للشَّامِ، فإنَّها صفوةُ بلادِ اللهِ يُسكِنُها خيرتَه من خلقِه، وفيه: اشتِدادُ البلاءِ على أهلِ الأرضِ قبلَ قيامِ السَّاعةِ.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (سيصيرُ الأمرُ إلى أن تَكونوا جُنودًا مجنَّدةً، جُندٌ بالشَّامِ، وجندٌ باليمنِ وجُندٌ بالعراقِ، قالَ ابنُ حوالةَ: خِرْ لي يا رسولَ اللَّهِ إن أدرَكْتُ ذلِكَ، فقالَ: عليكَ بالشَّامِ، فإنَّها خيرةُ اللَّهِ من أرضِهِ، يَجتبي إليها خيرتَهُ من عبادِهِ، فأمَّا إن أبيتُمْ، فعليكُم بيمنِكُم، واسقوا من غُدُرِكُم، فإنَّ اللَّهَ توَكَّلَ لي بالشَّامِ وأَهْلِهِ) [رواه أبو داود]، أي: تَكَفَّلَ لأَجْلِي بِحِفْظِ الشَّامِ وأَهلِها من بأسِ الكَفَرَةِ واسْتِيلائِهم عليها.

2- أرض الإسراء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُتيتُ بالبُراقِ، وهو دابَّةٌ أبيضُ طويلٌ، فوق الحمارِ، ودونَ البغلِ، يضعُ حافرَه عند مُنتهَى طرْفِه، فركبتُه، حتى أتيتُ بيتَ المقدسِ، فربطتُه بالحلْقة التي تَربِطُ بها الأنبياءُ، ثم دخلتُ المسجدَ، فصليتُ فيه ركعتَينِ، ثم خرجتُ…) [رواه مسلم]. وهكذا شاء الله أنتكون رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله تعالى حوله، ليريه من بعض آياته، وهذه الآيات ليست له وحده، بل للأمة الإسلامية من بعده على اختلاف أجيالها، فرَبَطْ البراق بالحَلْقَةِ التي تَرْبِطُ بها الأنْبِياءُ دَوابَّهُم أمامَ بابِ المسْجِدِ الأَقْصى عادة، وذلك عند قدومهم إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه، وهذا القول والفعل من النبي الكريم دليل على الأصالة التاريخية للمسجد الأقصى،

3- أرض الرباط والجهاد: أرض الشام أرض الابتلاء والمحن، وهي أرض الكشف والفضح، لأنها تكشف الخونة، وتفضح العملاء والمنافقين، قال عليه الصلاة والسلام: (وعُقْرُ دارِ المؤمِنين الشَّامُ) [رواه النسائي]، أي: ستَكونُ الشَّامُ زمَنَ الفتَنِ مَحلَّ أمنٍ لأهلِ الإسلامِ أصلًا وموضعًا لدُورِ المُؤمنِينَ، فقد أعطاها النبي أهمية كبرى إنها عقر دار المؤمنين، وموضع عناية الله ورعايته، لذلك يأمر عند ظهور الفتن في آخر الزمان بالهجرة إليها، وفي الحديث دليل على أن أرض الشام أرض الرباط والجهاد والتحدي والحسم، فأهلُ الشَّامِ سَوطُ اللهِ في أرضِه، ينتقِمُ بِهم مِمَّن يَشاءُ من عبادِه، لذا فضَّل أرض الشام على سائر البقاع والبلدان.

4- كثرة شهدائها وفضلهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريلُ بالحُمَّى والطاعونِ، فأَمسكْتُ الحُمَّى في المدينةِ، وأرسلْتُ الطاعونَ إلى الشَّامِ، فالطَّاعونُ شَهادةٌ لأُمَّتِي، ورَحمةٌ لَهم، ورِجسٌ على الكافرينَ) [رواه أحمد في المسند]، وهكذا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أسكن الطاعون في بلاد الشام لحكمة معينة، هي أن يكثر شهداء هذه البلاد، ويرفه به درجاتهم، ويزكي أعمالهم، والتاريخ سجل أهم حدث لتكثير شهداء هذه البلاد المباركة في (طاعون عمواس) الذي استمر شهرًا، مما أدى إلى وفاة ما يقارب ثلاثين ألفاً، بينهم جماعة من كبار الصحابة أبرزهم: أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح، ومؤذن رسول الله بلال بن رباح، ومعاذ بن جبل وابنه عبد الرحمن، وشرحبيل بن حسنة، وسهيل بن عمرو أحد خطباء قريش، والفضل بن العباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم كثير.

البروفسور محمد محمود كالو

قد تكون صورة ‏نص‏

About the author

admin

Leave a Comment